فرحتك ما توصف بمولد خير الأنام
المهندس السري
في كل عام، و في الحادي عشر من ربيع الأول، تحتفي مدينتي بذكرى مولد خير البرية سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام، مجسدة ذلك بإقامة موكب الشموع، موكب من رآه أول مرة يحسبه كرنافالا، حيث يصطف عدد كبير من الرجال حاملين على أجسادهم شموعا ضخمة، هي عبارة عن هياكل خشبية كبيرة من الخشب السميك و مزينة بالشمع الملون، مشكلة بذلك زخرفة إسلامية فريدة يتراوح وزنها ما بين 15 و 50 كغم، يقومون بالطواف بها وسط المدينة العتيقة محققين بذلك فرجة للزوار و العامة.
ذكرياتي مع موكب الشموع عديدة، تنحصر في مرحلة الطفولة، دائما بمرافقة أبي، كي نحصل على فرجة أمتع و دون مزاحمة كنا نذهب عند صديقه العطار، كل الموكب يمر أمامه، أقف فوق صندوق خشبي، أبي بسندي، في انتظار مرور الموكب أسلي نفسي ببعض اللوزات الرومية (وا شحال بنــــــــــــيـن – حيت غالي بطبيعة الحال). بعد انتظار طويل يمر الموكب، تتزعمه فرقة عبد الجبار للغيطة، بطبولها و مزاميرها الشهيرة، يعزفون و يعزفون، يقرعون و يقرعون، صداع قوي، غوغاء، ضجيج، ومع ذلك فأنت تستلذه لما يبعثه من حماس على النفس. غريب عبد الجبار هذا حقا، عينه اليسرى مفقوءة، ورجله اليمنى عرجاء، ومع ذلك فهو الغياط الأكثر شهرة في مدينة سلا، إلى دار السلاوي العرس و ماجابش عبد الجبار شي ما دار. في الأصل، يشغل عبد الجبار مهنة الخياطة البلدية، عندما تمر أمام دكانه غالبا ما تجده منهمكا في الحديث مع أصدقائه و هم يحتسون الدكيكة ديال أتاي، و في باب الحانوت صبي صغير يفتل خيوط الحرير. عند مشاركة عبد الجبار في حفل ما كالهدية مثلا، كنت تجده المسكين دااااااااائما متخلفا عن فرقته بسب رجله العرجاء. هو أيضا مثل با لفقي، لم يتخلى يوما عن جلابة البلدية و طاقيته المراكشية القديمة، أكثر شيء كان يبهرني فيه و هو طريقة عزفه، تنتفخ أوداجه بطريقة عجيبة، و كأنه واضع كرتا تنس في فمه، ولكم أن تتخيلوا المنظر، طريقة تحريك رأسه أيضا كانت غريبة، يدوره و كأنه حاو يلاعب ثعبانه، و بالسيف ما يحماقو عليك السلاويين أ با عبد الجبار، على محال الله يخليك لينا و الله يرزقك الصحة و السلامة.
يخرج الرجال من الدار تباعا، تؤازرهم موسيقى عبد الجبار، يتحركون بخطوات سريعة و مارين بأهم شوارع المدينة القديمة عبر السوق الكبير و وصولا لغاية ساحة باب لمريسة، حيث يجتمعون هناك مؤدين رقصات الشموع على إيقاع ضرب الطبول والمزامير. المنظر يبهر الأبصار و يثلج القلوب، تحس معه أن المدينة كلها تحتفي بالعرس، عرس مولد خير الأنام.

بعد ذلك يتوجه حاملو الشموع إلى طرف المدينة نحو ضريح سيدي عبد الله بن حسون، حيث تعلق الشموع في سقفه، في المساء تتابع رقصة الشمعة على إيقاعات الموسيقى الأندلسية و الأمداح النبوية و ذلك عبر تحريكها بواسطة حبال طويلة وسط جو احتفالي بهيج.
ملحوظة: آخر مرة حضرت فيها الموكب كانت سنة 2004، سنة عرفت ما للحياة من معنى، سنة عرفت الطريق، طريق الحقيقة، حقيقة نفسي، شكرا لكي جزيل الشكر، لن أنساك يا 2004 ما حييت...
و تستمر الرحلة....